alexbank

alexbank
اجتماعية

الجمعة، 1 يوليو، 2011

روشتة مهاتير محمد لإنقاذ مصر













جمال عبدالمجيد-فاتن الزعويلي


لم أعتمد يوماً علي تقارير الموظفين البيروقراطيين ، كنت اطلب ارقاما دقيقة عن أوضاع العاطلين والأميين والمهمشين ولا أسمح بالتلاعب أو تجميل الموقف، وكان الانفتاح علي غير المسألة حياة أو موتاً لأن بناء الإنسان الماليزي الجديد يحتاج الي خبرات الاخرين، فقررت أن أعتمد علي الخبرة اليابانية وأن أستفيد من تجربة سنغافورا ولم يشدني النموذج الاميركي أو الأوروبي بل شدتني تجارب الدول التي تقع في محيطي الجغرافي وكانت لديها تخلف مماثل لما في بلادي، وأرسلت آلاف الطلاب والباحثين الي الجامعات اليابانية أولاً ثم الي أوروبا بعد ذلك وأسسنا عاصمة ادارية جديدة وتكنولوجية بعد أن اكتشفنا أن كولالمبور لم تعد تلبي متطلبات المرحلة الجديدة ونقلت مكتبي الي هناك واشتغلنا من نقطة الصفر».

إلي هنا انتهي كلام مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، والذي ترك منصبه طواعية بعد 22 عاماً من البقاء علي مقعده، ولم تكن هذه الجمل إلا توصيفاً لتجربته التي استطاع أن يطبقها بحذافيرها لتنهض ماليزيا وترتقي وتتحول من دولة تعتمد علي الزراعة فقط لدولة صناعية تقترب من دول الـ 8 الصناعية الكبري.

لم يكن مهاتير محمد شخصاً عادياً، كان يبيع الموز والفطائر أثناء احتلال اليابان لبلاده في الحرب العالمية الثانية ليدعم دخل الأسرة، بل كان رجلاً يدرك أهمية المسئولية الملقاة علي عاتقه، فقد طلق الطب واعترك السياسة فتم انتخابه نائباً في البرلمان الماليزي عام 1964، وذلك بعد أن بدأ العمل السياسي من سن 18 عاماً.

مهاتير محمد لبي دعوة اتحاد الصناعات لزيارة مصر بعد الثورة ورفض تقاضي أي أموال عن زيارته التي تستغرق 4 أيام يلتقي خلالها رئيس الوزراء عصام شرف ووزير المالية سمير رضوان، وبينما كانت «الوفد» تتابع تحركاته خطوة بخطوة في قاعة المؤتمرات تحدث مهاتير عن أسباب النهضة قائلا: «عندما ذهبت الي ميدان التحرير شعرت بالروح التي سادت هذا المكان وأنه كبير ويتسع لعدد كبير من الشعب ويجب علي الجميع أن يقوموا بزيارته فهو مكان مهم وهذه المساحة يمكن أن تعكس الحالة التي كانت عليها المرحلة وكيف أن المصريين عبروا عن الموقف الجاري، فمصر تعيش الآن مرحلة انتقالية اتحد فيها الشعب كشخص واحد ودولة واحدة ويجب عليه أن يخطط لإعادة بناء نفسه عن طريق حكومة ديمقراطية وليست سلطوية، كما أنني فخور بأن مصر تنظر الي ماليزيا كواحدة من النماذج فنحن دول مسلمة ولدينا عدد كبير من الأعراق والثقافات».

ويضيف في رؤيته التي قدمها لإنقاذ البلاد: مصر كانت تقع تحت حكم سلطوي لفترة طويلة في الوقت الذي كانت فيه ماليزيا تقع تحت حكم ديمقراطي وكل إنسان يتطلع للتمتع بحكومة ديمقراطية تعبر عن رغبات الشعب كما أن الديمقراطية ليست أسهل شيء في الوجود لأنك إن لم تفهم القيود التي تضعها الديمقراطية فسوف تنهار البلاد، إذن يجب أن يفهم الشعب ما هي الديمقراطية؟ وكيف تعمل؟ فلا يجب علي الشعب أن يطلب من الحكومة أن تتحلي بكل الطاقات لكي تستوعبه ولكن عليه هو أن يعي ذلك لأن عدم الاستقرار لن يسهم في خلق مناخ تنموي لأي دولة، وهذا وحده لا يضمن نجاح الحكومة فنحن في ماليزيا كنا محظوظين لأن عدد السكان كان قليلاً وقت الاستقلال، فالديمقراطية هي القوة التي تصنع الحكومات أو تكسرها، وإذا حاولنا الإطاحة بالحكومة فلابد أن يحدث ذلك عن طريق انتخابات حرة وهذا يتطلب نوعاً خاصاً من التفكير وهو أن نكون دائماً علي استعداد لأن نخسر المعركة.

واستطرد: أعتقد أن مصر قد تعافت من المرحلة السابقة بعض الشيء ولكن تحتاج إلي درجة من الاستقرار والسلام والعمل لأنني لا أؤمن بالاقتراض علي الإطلاق ويجب أن نتذكر أنه حينما نقترض المال فإنك تكون مضطرا لهذا الذي يقرضك مالا، أما إذا اضطررنا لهذا الاقتراض يجب أن يكون في نطاق ضيق.

كانت كلمة مهاتير محمد أقرب إلي روشته يضعها علي مكتب رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف لإنقاذ مصر ومساعدتها في تخطي أزماتها الحالية، ذلك أن الرجل يملك تاريخا يؤهله لإلقاء الدروس في التنمية والتحديث ونقل البلاد النامية إلي مصاف الدول المتقدمة، ومن المنتظر أن ينقل الرجل تجربته في تحديث ماليزيا إلي عصام شرف.

ولد مهاتير محمد في ديسمبر عام 1925م بولاية كيداه بماليزيا، وتلقي دراسته بكلية السلطان عبدالحميد، ثم درس الطب بكلية «المالاي» بسنغافورة والتي كانت تعرف بكلية الملك إدوارد السابع الطبية، وقام بدراسة الشؤون الدولية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1967م.

قام مهاتير بعد تخرجه بالعمل بالطب في عيادته الخاصة والتي كان يقوم بعلاج الفقراء بها مجاناً، كما عمل كضابط طبيب بسلاح الخدمات الطبية، وعرف باتجاهاته السياسية، وبانتمائه لتنظيم اتحاد «الملايو»، حيث تدرج فيه من عضو المجلس الأعلي لتنظيم اتحاد الملايو الوطني، ثم نائب رئيس له، ثم بعد ذلك رئيس له عام 1981، شغل عدداً من المناصب منها مندوب ماليزيا بالأمم المتحدة 1963، عضو برلمان منتخب عن منطقة كوتا سيتار، عضو مجلس الشيوخ، عضو برلمان منتخب عن منطقة كوبانج باسو، رئيس مجلس التعليم العالي الأول ورئيس مجلس الجامعة الوطنية في السبعينات، ثم وزير للتربية والتعليم من عام 1974 حتي 1981، نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة والصناعة، رئيس الوزراء ووزير الشؤون الداخلية 1981.

تولي رئاسة الوزراء عام 1981م، حيث وصلت ماليزيا في عهده إلي ذروة مجدها وارتفع نصيب دخل الفرد فيها ارتفاعاً كبيراً، كما تم تقليص حجم البطالة فيها بشكل ملحوظ حيث انخفض الي 3%، استطاع من خلال منصبه

التقدم بالبلاد علي ركائز أساسية ويعد أولها بل في مقدمتها الوحدة بين فئات الشعب حيث إن سكان ماليزيا ينقسمون إلي السكان الأصليين وهم المالايا ويمثلون أكثر من نصف سكان ماليزيا، وقسم آخر من الصينيين والهنود وأقليات أخري، وأيضاً توجد الديانة الأساسية وهي الإسلام بالإضافة للديانات الأخري مثل البوذية والهندوسية» لذلك لزم التوحد بين جميع الأطراف لتسير البلاد كلها من أجل الاتجاه نحو هدف واحد والعمل وفق منظومة تتكاتف فيها جميع الفئات، والركيزة الثانية في خطة التنمية تمثلت في البحث عن دولة مناسبة تقوم بعملية الدعم لماليزيا في تجربتها نحو التقدم والتنمية وكانت هذه الدولة هي اليابان التي أصبحت من أكبر حلفاء ماليزيا في مشروعها نحو التنمية والتقدم، وثالثاً العمل علي جذب الاستثمار نحو ماليزيا وتوجيه الأنظار إليها، كما قام مهاتير بإدخال التكنولوجيا الحديثة والتدريب عليها حتي يتم الانتقال بالبلاد سريعاً إلي مرحلة أخري أكثر تقدماً وأيضاً لتحقيق إمكانيات التواصل مع العالم الخارجي.

تبني مهاتير محمد المنهج التنموي ودفع بالمالايا نحو النهضة التنموية من خلال توفير مستويات عالية من التعليم والتكنولوجيا لهم، كما دفع بهم لتعلم اللغة الإنجليزية، وقام بإرسال البعثات التعليمية للخارج 300 طالب كل اسبوع وتواصل مع الجامعات الأجنبية، حاول بكل جهده في إطار سياسته الاقتصادية بتجهيز المواطن الماليزي بكافة الوسائل العلمية والتكنولوجية لكي يستطيع الانفتاح والتواصل مع العالم الخارجي والتعرف علي الثقافات المختلفة،، حيث كان يهدف لتفعيل الجزء الأكبر من المجتمع الأمر الذي يعود علي ارتفاع مستوي التنمية الاقتصادية للبلاد في نهاية الأمر، واستطاع أن يحول ماليزيا من دولة زراعية يعتمد اقتصادها علي تصدير السلع الزراعية والمواد الأولية البسيطة مثل المطاط والقصدير وغيرها إلي دولة صناعية متقدمة، حيث شارك القطاع الصناعي والخدمي في اقتصادها بنسبة 90%، وأصبحت معظم السيارات التي توجد بها صناعة ماليزية خالصة، وزاد نصيب دخل الفرد زيادة ملحوظة فأصبحت واحدة من أنجح الدول الصناعية في جنوب آسيا، كما أدي هذا التحول إلي تقوية المركز المالي للدولة..

وأصبحت تجربة ماليزيا في النهضة الصناعية التي قامت بها تحت رعاية مهاتير محمد مثلاً تحتذي به الدول، ومادة للدراسة من قبل الاقتصاديين.

تعرض مهاتير محمد للعديد من الانتقادات علي مدار حياته السياسية حيث وصف بالديكتاتور ولكن جاء قرار استقالته وهو في قمة مجده لينسف هذا المعتقد حيث لم يستأثر بالحكم علي الرغم من النجاح الساحق الذي حققه أثناء حكمه للبلاد، وظل مثيراً للجدل من قبل الغرب نظراً لتصريحاته اللاذعة الشديدة اللهجة دائماً.

وكانت أكثر هذه التصريحات جرأة وإثارة لغضب الغرب تلك التي كانت في القمة الإسلامية التي عقدت في ماليزيا حيث انتقد اليهود بشدة في كلمته التي ألقاها حيث أشار لسيطرتهم علي القرار الدولي وقيامهم بإشعال نيران الحرب ضد المسلمين..

ولعل ابرز ما الفه رئيس الوزراء كان كتابه «معضلة الملايو» عام 1970م، وهو الكتاب الذي أثار ضجة وقام فيه بانتقاد الشعب المالاوي واتهمه بالكسل ودعا فيه الشعب لثورة صناعية تنقل ماليزيا من إطار الدول الزراعية المتخلفة إلي دولة ذات نهضة اقتصادية عالية، ولقد تم منع الكتاب من قبل منظمة المالايو القومية المتحدة..

كما قام بتأليف عدد آخر من الكتب منها كتاب «صوت ماليزيا»، و«صوت آسيا» – زعيمان آسيويان يناقشان أمور القرن المقبل.

قرر الزعيم الماليزي الانسحاب من السلطة وهو في قمة مجده بعد أن استطاع نقل البلاد إلي مرحلة جديدة متقدمة من النهضة الاقتصادية، وبعد قيامه برئاسة الوزراء لمدة 22عاماً، وكان زعيم حزب الأغلبية في البرلمان الماليزي، فقد قرر اعتزال الحياة السياسية عام 2003 بعد أن أثبت للعالم إمكانية قيام دولة إسلامية بالنهوض اقتصادياً بالاعتماد علي شعبها والوحدة والتآلف بين جميع أفراده بمختلف دياناتهم وأعراقهم، قام مهاتير محمد بتسليم مقاليد البلاد لخليفته عبدالله أحمد بدوي وهو في قمة نجاحه، وأصبح بعد ذلك الرجل الاقتصادي الحكيم والذي يعد منهجه السياسي والتنموي مرجعاً للعديد من السياسيين والقادة في بلاده وفي جميع أنحاء العالم.

وعن إمكانية نقل التجربة الماليزية وتطبيقها في مصر تحدث إلينا عدد من الخبراء والاقتصاديين..

> الدكتور احمد جلال المدير التنفيذي لمنتدي البحوث الاقتصادية.. يقول: إن مصر متميزة وما تمر به ليست المرة الأولي التي تحدث في التاريخ فإن معظم الدول مرت بهذه التغيرات كما أن السياسات لم تعبر عن الشعب المصري بشكل عام وأن النموذج الذي تم اتباعه كان معيباً بالاضافة الي أن التجربة الماليزية أو التركية أو غيرها ليست هي التجارب التي يجب أن تتبعها مصر لأن كل دولة لها سماتها الخاصة ويجب اتباع الرشادة في البحث عن حل للمشكلات الموجودة في المجتمع المصري في كل المجالات اما بالنسبة للجانب الاقتصادي أو السياسات الاقتصادية فيجب ألا نحملها علي النواحي المالية فقط ولكننا نريد برنامجاً اقتصادياً متكاملاً للنهوض بمصر كما أنني شديد التفاؤل بالمستقبل في الفترة المقبلة..

> أما الدكتور سلطان أبوعلي، وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الأسبق، يقول: إن لكل تجربة خصوصياتها والوضع الاقتصادي في مصر حاليا به ركود تضخمي وهذا يتطلب اجراءات وسياسات لعلاج هذه المشكلة وعلي رأسها العدالة لاستعادة الإنتاج ومحاربة الفساد والعودة بالإنتاجية لوضعها وعلي المدي الطويل الاقتصاد المصري لديه إمكانيات كبيرة جدا وسوف يحقق الكثير من التقدم في المرحلة المقبلة.

ويضيف «أبوعلي»: منذ حوالي شهرين وأنا اطالب بعدم الاقتراض من الخارج فنحن نعلم أن الدين الخارجي 33 مليار دولار وهي نسبة آمنة كما أن نسبة الفوائد المستحقه علي الصادرات حوالي 4% وممكن أن تصل الي 20% وهي ايضا نسبة امنة اما بالنسبة للدين المحلي فهو كبير فمن الضروري تقليل عجز الموازنة في 2011 – 2012 كما يجب أن نسير في التنفيذ نحو ترشيد النفقات لأن الحالة الاقتصادية عبارة عن اجتماع الضدين وبالتالي نحتاج الي توازن.

> وتؤكد الدكتورة ماجدة قنديل بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية علي أنه يجب أن تتواصل الحكومة مع القطاع الخاص وتعترف بأن إمكانياتها وحدها لن تستطيع أن تحقق العدالة الاجتماعية وبالتالي لابد من تبني فلسفة لدعم القطاع الخاص في المرحلة المقبلة لنصل الي الهدف المرجو وهو العدالة الاجتماعية في اطار منتج ويخلق وظائف كافية لعدد كبير من العاطلين.

وتضيف.. إن التجارب كلها قائمة علي فلسفة معينة إنما خصوصيات الواقع المصري هي التي تحكمنا فتجربة ماليزيا قامت علي تبني ثقافة الاقتصاد الحر ونحن كان لدينا بالفعل اقتصاد يتبني الاقتصاد الحر ولكن مفهوم العدالة الاجتماعية لم يكن موجوداً كما أننا اليوم نحتاج الي مجهود اكبر لكي نعيد عجلة النمو في الاقتصاد الي ما كانت عليه ونوفر وظائف لأن المكون الوظيفي قبل الثورة لم يكن كافياً فلابد من دعم القطاع الخاص وإزالة العوائق لأن قدرته علي استقطاب الاستثمارات لم تكن كافية بحكم حجم هذا الاقتصاد وقدرته علي جذب الاستثمارات..

كما أننا لدينا قدرة أكبر بكثير ولابد أن ننقل هذه الفلسفة الي مفهوم للعدالة الاجتماعية يقترن بالتنمية الاقتصادية عن طريق تضافر جهود الحكومة مع القطاع الخاص وتذليل العوائق للقطاع الخاص حتي نستطيع أن نصل الي اهداف الثورة التي بنيت علي توفير وظائف ودخول حقيقية تنمو وهي لن تنمو الا مع وجود إنتاج ولكن التضخم عن طريق الاقتراض الحكومي لتحقيق عدالة اجتماعية قصيرة الاجل يؤثر سلبياً علي تحقيق اهدافنا التي نسعي اليها وبالتالي يعتبر مفهوماً مسيساً للعدالة الاجتماعية.


اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية روشتة مهاتير محمد لإنقاذ مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق